تشهد الأسواق المالية العالمية تقلبات حادة في ظل الحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: من الرابح ومن الخاسر في الأدوات المالية وسط المخاوف من اتساع رقعة النزاع، في ظل الضبابية وعدم اليقين بشأن مدته وكيفية انتهائه؟
أولًا، إذا راقبنا مؤشرات التقلب في الأسهم والسندات والنفط على سبيل المثال، نلاحظ مدى قوة هذه التقلبات:
- ارتفع مؤشر الخوف والتقلب VIX بنسبة 10% مسجلًا مستوى 28.15 نقطة يوم أمس، وهو أعلى مستوى له منذ 20 نوفمبر 2025، قبل أن يغلق عند 23.56 نقطة، ما يعكس حالة من القلق في أسواق الأسهم الأميركية.
- ارتفع مؤشر MOVE لتقلبات السندات الأميركية بنسبة 6% يوم أمس، مسجلًا أعلى مستوى له منذ 24 نوفمبر 2025، ما يعكس حالة من القلق في أسواق السندات الأميركية.
- ارتفع مؤشر OVX لتقلبات أسعار النفط بنسبة 7% يوم أمس، مسجلًا 77.79 نقطة، وهو أعلى مستوى له منذ 8 مارس 2022، ما يعكس حالة من القلق في أسواق النفط.
ثانيًا، إذا نظرنا إلى الخاسرين من الأدوات المالية، فهم على النحو التالي:
- أسواق الأسهم: تُعد من الأصول عالية المخاطر، حيث تراجعت مؤشرات الأسهم الأميركية والبريطانية والأوروبية والآسيوية، مثل الصينية واليابانية والكورية الجنوبية.
- أسواق السندات: تراجعت أسعار السندات العالمية، خاصة الأميركية، رغم أنها تُعتبر تاريخيًا ملاذًا آمنًا في أوقات الاضطرابات والتوترات الجيوسياسية. إلا أنها لا تؤدي هذا الدور حاليًا بسبب الارتفاع الملحوظ في أسعار الطاقة، ما سينعكس على ارتفاع معدلات التضخم، وبالتالي قد يدفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، أو حتى رفعها إذا ارتفعت معدلات التضخم بشكل كبير وابتعدت أكثر عن المستوى المستهدف عند 2%.
ويُذكر أننا شهدنا قبل أسبوعين صدور محضر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، الذي كشف عن احتمال لجوء عدد من الأعضاء إلى رفع أسعار الفائدة في حال استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة. كما ارتفع مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي على أساس سنوي، وهو المؤشر المفضل لدى الفيدرالي، مسجلًا نموًا بنسبة 3.0%، وهو أعلى من التوقعات والقراءة السابقة. كذلك ارتفع مؤشر أسعار المنتجين الأساسي على أساس سنوي بنسبة 3.6%، وهو أيضًا أعلى من التوقعات والقراءة السابقة البالغة 3.3%، ما يعكس مخاطر تجذر التضخم. وفي هذا السياق، شهدنا ارتفاعات ملحوظة في عوائد سندات الخزانة الأميركية بمختلف آجالها، إضافة إلى ارتفاع عوائد السندات الألمانية والفرنسية والبريطانية واليابانية. - أسواق العملات: شهدنا تراجعات جماعية في العملات الأجنبية مقابل الدولار الأميركي، باعتبار أن الدولار يُعد ملاذًا آمنًا تاريخيًا.
- أسواق العملات المشفرة: تتداول العملات المشفرة مثل البيتكوين والإيثيريوم في نطاق عرضي أفقي منذ نحو شهر، دون المستويات النفسية البالغة 70,000 و2,000 دولار على التوالي في الوقت الحاضر، مع ميل نحو الاتجاه الهبوطي، نظرًا لكونها من الأصول عالية المخاطر.
- أسواق المعادن النفيسة: رغم أن الذهب يُعد الملاذ الآمن التقليدي، ورغم أدائه السنوي الإيجابي هذا العام بارتفاع يقارب 20%، فإننا نشهد ضغوطًا بيعية عليه بسبب قوة الدولار الأميركي وارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية بشكل ملحوظ، ما يضغط على الذهب باعتباره أصلًا لا يدر عائدًا. ومع ذلك، لا يزال الزخم الصعودي قائمًا في ظل الأساسيات الداعمة، مثل التوترات الجيوسياسية والتجارية، واستمرار شراء البنوك المركزية، والتوقعات بارتفاع التضخم باعتباره أداة تحوط ضد التضخم. أما بالنسبة للفضة والبلاتين والبلاديوم، فنشهد ضغوطًا بيعية عليها حاليًا، نظرًا لدخولها في صناعات متعددة، حيث إن الارتفاع الملحوظ في أسعار الطاقة من نفط وغاز يؤثر سلبًا على المصانع والمعامل، إذ ترتفع كلفة تصنيع السلع، ما قد يؤدي إلى تراجع الطلب على هذه المعادن.
إذًا، من هو الرابح الأكبر؟
أولًا، النفط الخام، الذي ارتفع بنحو 37% منذ بداية العام حتى اليوم، مسجلًا مستوى 85.12 دولار يوم أمس، وهو أعلى مستوى له منذ 19 يوليو 2024، في ظل الاضطرابات الجارية والحرب وإغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد شريانًا حيويًا لسوق الطاقة العالمية، إذ تمر عبره إمدادات تعادل نحو 20% من الطلب العالمي على النفط وأكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا.
ثانيًا، الدولار الأميركي، حيث ارتفع مؤشر الدولار إلى مستوى 99.68 نقطة يوم أمس، وهو أعلى مستوى له منذ 28 نوفمبر 2025، مرتفعًا بنحو 1% منذ بداية العام حتى اليوم، وسط توقعات بالإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، أو حتى رفعها إذا ارتفعت معدلات التضخم بشكل كبير، خاصة مع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة، ما قد يغذي التضخم بشكل ملحوظ.
أما على الصعيد الفني، وبالنسبة لأسعار النفط الخام، فيظهر تقاطع صعودي، أو ما يُعرف بالتقاطع الذهبي، بين المتوسط المتحرك لـ50 يومًا والمتوسط المتحرك لـ200 يوم، ما قد يشير إلى استمرار الاتجاه الصعودي لأسعار النفط. ويسجل مؤشر القوة النسبية RSI حاليًا نحو 82 نقطة، أي في منطقة التشبع الشرائي، وهو أعلى مستوى له منذ مارس 2022، ما يعكس قوة الزخم الصاعد. كما يسجل مؤشر الحركة الإيجابية DMI+ نحو 38 نقطة، مقابل حوالي 8 نقاط لمؤشر الحركة السلبية DMI-. وتُظهر الفجوة الواسعة بين المؤشرين وجود ضغوط شرائية قوية على النفط. والأهم من ذلك، أن مؤشر قوة الاتجاه ADX يسجل نحو 39 نقطة، ما يدل على أن زخم الاتجاه الصاعد قوي.
يرجى ملاحظة أن هذا التحليل يُقدّم لأغراض إعلامية فقط ولا ينبغي اعتباره نصيحة استثمارية. ينطوي التداول على مخاطر عالية.
