على مدى معظم الأشهر التسعة الماضية، كان الذهب والدولار الأسترالي يرويان القصة نفسها. فعندما كان أحدهما يتحرك، كان الآخر يتبعه. لكن هذه العلاقة بدأت الآن بالتصدّع، ويُظهر الرسم البياني اليومي بوضوح المكان الذي بدأ فيه هذا الانفصال.
النقاط الرئيسية
- منذ سبتمبر 2025، تحرك الذهب وزوج AUD/USD (الدولار الأسترالي مقابل الدولار الأمريكي) بشكل شبه متطابق على الرسم البياني اليومي، مدفوعَين بالعامل نفسه: الدولار الأمريكي. فقد ارتفع الاثنان عندما ضعف الدولار (في الربع الرابع من 2025)، وقفزا بقوة عندما اندلعت أزمة مضيق هرمز في يناير، ثم تراجعا بشدة عندما تبنى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (Fed) موقفًا أكثر تشددًا تجاه السياسة النقدية. لكن هناك الآن تباعدًا ناشئًا بينهما ينبغي على العملاء المميزين (VIP) مراقبته عن كثب.
- انخفض الذهب بنسبة 25 % من أعلى مستوى تاريخي سجله في يناير عند 5,589 دولارًا إلى 4,077دولارًا اليوم، في حين أن زوج AUD/USD لا يزال أقل بنحو 5% فقط من ذروته عند 0.7300 ويُظهر الدولار الأسترالي صمودًا أكبر بكثير من الذهب، والسبب بسيط: ميزة أسعار الفائدة الأسترالية. فبعد ثلاث زيادات متتالية في أسعار الفائدة خلال عام 2026، يبلغ سعر الفائدة لدى البنك الاحتياطي الأسترالي (RBA) 4.35%، مقارنةً بنطاق 3.50% إلى 3.75% لدى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. أما الذهب فلا يدر أي عائد.
- تُظهر بيانات التزامات المتداولين (COT) الصورة نفسها من التباعد. إذ تتمركز صناديق الأموال المُدارة (Managed Money) في الذهب عند المئين الخمسين (50th percentile)، وهو ما يعكس موقفًا محايدًا تمامًا. في المقابل، لا تزال الأموال ذات الرافعة المالية (Leveraged Money) في الدولار الأسترالي تحتفظ بمراكز شراء صافية تبلغ 41,538 عقدًا. لكن مديري الأصول في الدولار الأسترالي يحتفظون بمراكز بيع صافية تبلغ 31,451 عقدًا، ما يخلق انقسامًا في توجهات المستثمرين قد يُحسم بحركة قوية في أي من الاتجاهين.
الرسم البياني الذي يوضح ما يحدث بالفعل
Chart: XAU/USD (candlesticks) vs AUD/USD (blue line), Daily timeframe (TradingView)
تسعة أشهر من التحرك في الاتجاه نفسه
يُظهر الرسم البياني اليومي ثلاث مراحل متميزة تحرك فيها الذهب والدولار الأسترالي بشكل متزامن تقريباً.
المرحلة الأولى امتدت من سبتمبر إلى ديسمبر 2025. ارتفع الذهب من نحو 3,600 دولار إلى 4,200 دولار، بينما صعد زوج الدولار الأسترالي/الدولار الأمريكي (AUD/USD) من 0.6400 إلى 0.6800. وكان كلا الأصلين يستفيدان من العوامل نفسها: ضعف الدولار الأمريكي، وتحسن شهية المخاطرة، والطلب الواسع على السلع الأساسية الذي عادةً ما يصاحب تراجع العملة الأمريكية. وتُعد أستراليا ثالث أكبر منتج للذهب في العالم، كما أصبح الذهب ثاني أكبر صادراتها بعد خام الحديد، مع توقعات بأن تصل الإيرادات إلى 60 مليار دولار خلال الفترة 2025-2026. وعندما ترتفع أسعار الذهب، تزداد عائدات الصادرات الأسترالية، ويتحسن الميزان التجاري، وتتدفق رؤوس الأموال المؤسسية إلى الدولار الأسترالي. وكانت العلاقة بين الأصلين في هذه المرحلة نموذجية وواضحة.
المرحلة الثانية جاءت خلال ارتفاع الأسعار المرتبط بأزمة مضيق هرمز في يناير وبداية فبراير. قفز الذهب إلى أعلى مستوى له على الإطلاق عند 5,589 دولاراً مدفوعاً بالطلب على الملاذات الآمنة، بعد أن تسببت أزمة مضيق هرمز في تعطيل نحو 10 ملايين برميل يومياً من الإمدادات النفطية. والمثير للاهتمام أن زوج AUD/USD ارتفع أيضاً إلى 0.7300، وهو أمر غير معتاد لأن الدولار الأسترالي يُعتبر تقليدياً عملة مرتبطة بالإقبال على المخاطرة وليس ملاذاً آمناً. إلا أن هذا التحرك كان منطقياً، إذ إن موجة بيع الدولار الأمريكي كانت قوية للغاية لدرجة أنها رفعت قيمة معظم الأصول المقومة مقابله. وقد استفادت العملات المرتبطة بالسلع الأساسية والذهب وحتى العملات المشفرة من ضعف الدولار نفسه. واستمر الارتباط بين الذهب والدولار الأسترالي لأن العامل المحرك كان ضعف الدولار الأمريكي، وليس قوة أي من الأصلين بحد ذاته.
المرحلة الثالثة كانت مرحلة الهبوط التي امتدت من فبراير إلى أبريل. تراجع الذهب من 5,589 دولاراً إلى نحو 4,200 دولار، مسجلاً تصحيحاً بنسبة 25%. وفي الوقت نفسه، انخفض زوج AUD/USD من 0.7300 إلى 0.6600. ومرة أخرى، تحرك الأصلان في الاتجاه نفسه لأن القوة المحركة كانت واحدة: الدولار الأمريكي بدأ يكتسب زخماً مع إشارة الاحتياطي الفيدرالي إلى أنه ليس في عجلة من أمره لخفض أسعار الفائدة. وظل معامل الارتباط بين الذهب والدولار الأسترالي أعلى من 0.70 طوال هذه المراحل الثلاث.
أين يبدأ التباعد؟
تمثل المرحلة الرابعة، التي تغطي شهري مايو ويونيو، النقطة التي يصبح فيها الرسم البياني أكثر إثارة للاهتمام، وهي المرحلة التي ينبغي على عملاء VIP إعادة تقييم افتراضاتهم. ارتد الذهب من 4,200 دولار إلى 5,200 دولار في مايو مدفوعاً بارتياح الأسواق عقب وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل، قبل أن ينهار مجدداً. ويستقر اليوم عند 4,077 دولاراً، منخفضاً بنسبة 27% عن أعلى مستوى تاريخي له، ومسجلاً أدنى مستوياته في سبعة أشهر. وجاءت أحدث ضربة للذهب بعد اجتماع الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع الماضي، حيث أظهر المخطط النقطي (Dot Plot) ميلاً أكثر تشدداً مع ارتفاع متوسط توقعات أسعار الفائدة لنهاية العام إلى 3.8%. وبما أن الذهب أصل لا يدر عائداً، فإن ارتفاع العوائد الحقيقية يزيد من تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ به.
في المقابل، لم يتبع زوج الدولار الأسترالي/الدولار الأمريكي (AUD/USD) الذهب في هبوطه هذه المرة. فقد ارتفع من قاع أبريل عند 0.6600 إلى 0.6900، وحافظ على استقرار نسبي حتى مع انهيار الذهب دون مستويات دعم متتالية. ولا يزال الدولار الأسترالي أقل بنسبة 5.5% فقط من ذروته المسجلة في يناير، مقارنةً بتراجع الذهب البالغ 27%. وهكذا، فإن الارتباط الذي حكم تحركات الأصلين خلال الأشهر التسعة الماضية بدأ بالتفكك، وفهم أسباب ذلك هو المفتاح لتحديد التمركزات الصحيحة في المرحلة المقبلة.
ميزة العائد التي لا يستطيع الذهب منافستها
يكمن التفسير في العائد. فقد رفع بنك الاحتياطي الأسترالي أسعار الفائدة ثلاث مرات متتالية خلال عام 2026، ليرتفع سعر الفائدة النقدي إلى 4.35%. ورغم تثبيت الفائدة في اجتماع يونيو، أكد البنك أن “التضخم لا يزال مرتفعاً للغاية”، وأن المزيد من الزيادات لا يزال مطروحاً على الطاولة. وهذا يضع الفائدة الأسترالية فوق نطاق الفائدة الأمريكية البالغ 3.50% إلى 3.75%، مانحاً الدولار الأسترالي فارق عائد إيجابياً يتراوح بين 60 و85 نقطة أساس مقابل الدولار الأمريكي.
ويعمل هذا الفارق كأرضية دعم لزوج AUD/USD، وهي ميزة لا يمتلكها الذهب. فعندما اتخذ الاحتياطي الفيدرالي موقفاً أكثر تشدداً بقيادة كيفن وارش وارتفع الدولار الأمريكي بقوة، لم يكن لدى الذهب أي وسيلة دفاع. فهو لا يدر أي دخل، ولا يوفر أي عائد، وكانت أطروحته الصعودية تعتمد بالكامل على توقعات انخفاض العوائد الحقيقية وضعف الدولار الأمريكي، وهما افتراضان تقوضا بفعل التحول الأخير في توقعات الفائدة.
أما الدولار الأسترالي فيوفر عائداً إيجابياً. فالمستثمرون المؤسسيون الذين يحتفظون بمراكز شراء على العملة الأسترالية يحصلون على فارق عائد إيجابي، ما يخفف من تأثير قوة الدولار الأمريكي ويجعل الاحتفاظ بمراكز بيع على الدولار الأسترالي أكثر تكلفة بالنسبة للمضاربين.
وهناك أيضاً عامل هيكلي يتجاهله كثير من المتداولين. فقطاع تعدين الذهب في أستراليا يمثل تحوطاً طبيعياً للعملة. فعندما تكون أسعار الذهب مرتفعة بالدولار الأمريكي بينما يكون الدولار الأسترالي ضعيفاً، تحقق شركات التعدين الأسترالية إيرادات أكبر بالعملة المحلية، ما يعزز الميزان التجاري ويجذب تدفقات رأس المال إلى البلاد، مكوناً آلية تصحيح ذاتي لا يمتلكها الذهب كسلعة. وقد أشار مجلس الذهب العالمي إلى أن قوة الاقتصاد الأسترالي ونمو صادرات الذهب يخلقان حلقة دعم متبادلة تساعد الدولار الأسترالي حتى عندما تتراجع أسعار الذهب المقومة بالدولار الأمريكي.
ماذا تفعل الأموال الذكية؟
تدعم بيانات التموضع الاستثماري قصة التباعد الحالية. فصافي مراكز الشراء لدى مديري الأموال في الذهب يبلغ 113,721 عقداً، وهو ما يضعه عند منتصف النطاق المسجل خلال آخر 52 أسبوعاً تقريباً، مع درجة معيارية (Z-Score) تبلغ -0.18. ويعكس ذلك موقفاً محايداً للغاية، إذ لا يظهر المستثمرون المضاربون التزاماً واضحاً تجاه الذهب في أي من الاتجاهين.
وقد أضاف المستثمرون 7,858 عقداً صافياً الأسبوع الماضي، وهي زيادة محدودة تشير إلى أن القناعة وراء صفقة الذهب قد تراجعت بشكل ملحوظ. وللمقارنة، تراوح صافي المراكز الطويلة خلال آخر 52 أسبوعاً بين 89,752 و163,519 عقداً، ما يعني أن الوضع الحالي يقع تقريباً في منتصف النطاق. كما يؤكد شعور المستثمرين الأفراد هذا الغموض، حيث إن 59% فقط منهم يحتفظون بمراكز شراء على الذهب.
أما تمركزات الدولار الأسترالي فتبدو أكثر إثارة للاهتمام بسبب الانقسام الواضح بين الفئات الاستثمارية. فصناديق الأموال السريعة (Leveraged Money) تحتفظ بصافي مراكز شراء يبلغ 41,538 عقداً، ما يضعها عند الشريحة المئوية 64 (Z-Score عند 0.77)، وهو ما يعكس تفاؤلاً معتدلاً تجاه الدولار الأسترالي.
في المقابل، يحتفظ مديرو الأصول بصافي مراكز بيع يبلغ 31,451 عقداً، ما يشير إلى أن المستثمرين المؤسسيين ذوي الأفق الأطول لا يشاركون هذا التفاؤل. وغالباً ما يسبق هذا النوع من التباين بين الأموال السريعة ومديري الأصول تحركاً كبيراً في السوق، رغم أنه لا يكشف عن اتجاهه مسبقاً.
وقد خفضت الأموال السريعة مراكز الشراء بنحو 754 عقداً الأسبوع الماضي، وهو تراجع طفيف يشير إلى أنها لم تستسلم بعد. ويضيف شعور المستثمرين الأفراد طبقة أخرى من التعقيد، حيث إن 56% منهم يراهنون على هبوط AUD/USD، بينما تراهن الأموال السريعة على ارتفاعه.
ما الذي سيحسم الأمر؟
تحمل الساعات الثماني والأربعون المقبلة محفزين رئيسيين قد يؤديان إما إلى تعميق هذا التباعد أو إلى إعادة الارتباط بين الأصلين.
أولاً، يأتي مؤشر أسعار المستهلكين الشهري الأسترالي الصادر اليوم. وكانت القراءة السنوية السابقة قد تراجعت إلى 4.0% من 4.2%، وهو ما يبدو إيجابياً لقرار البنك المركزي بتثبيت الفائدة. لكن متوسط التضخم الأساسي المعدل (Trimmed Mean)، وهو المقياس الأكثر أهمية بالنسبة لبنك الاحتياطي الأسترالي، ارتفع بنسبة 0.4% شهرياً، ما رفع معدل التضخم الأساسي السنوي إلى 3.6%، وهو أعلى من المستوى المستهدف.
إذا جاءت بيانات يونيو بالنمط نفسه، أي تباطؤ التضخم العام مع استمرار ضغوط التضخم الأساسي، فسيحصل البنك المركزي على مبرر للإبقاء على الفائدة عند 4.35% مع إبقاء الباب مفتوحاً لمزيد من التشديد، وهو ما سيكون داعماً للدولار الأسترالي.
أما الحدث الأهم بالنسبة للذهب فهو مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي الأمريكي (Core PCE) يوم الخميس. وتشير التوقعات إلى ارتفاعه بنسبة 0.3% شهرياً مقارنة بـ0.2% سابقاً.
إذا جاءت القراءة أعلى من المتوقع، فسيؤكد ذلك صحة النظرة المتشددة للاحتياطي الفيدرالي، ما قد يدفع الدولار الأمريكي إلى مزيد من الارتفاع ويزيد الضغوط على الذهب، الذي قد يكسر مستوى 4,050 دولاراً ويتجه نحو 3,900 دولار. وسيتعرض الدولار الأسترالي أيضاً لبعض الضغوط، لكن فارق العائد سيحد من حجم الخسائر.
أما إذا جاءت القراءة ضعيفة وأقل من 0.2%، فسيكون ذلك أفضل سيناريو لعودة الارتباط بين الذهب والدولار الأسترالي، إذ سيستفيد الذهب من توقعات خفض الفائدة، بينما يستفيد الدولار الأسترالي من تحسن شهية المخاطرة.
المستويات الفنية التي تستحق المتابعة
بالنسبة للذهب، يمثل مستوى 4,050 دولاراً دعماً رئيسياً على المدى القريب. وكسر هذا المستوى قد يفتح الطريق نحو 3,900 دولار، وهو المستوى الذي أشارت إليه مورغان ستانلي كأرضية محتملة في حال أدت بيانات التضخم الأمريكية إلى ارتفاع حاد في العوائد الحقيقية. أما من ناحية الصعود، فيحتاج الذهب إلى استعادة مستوى 4,200 دولار لتحسين هيكله الفني اليومي.
أما بالنسبة لزوج AUD/USD، فيمثل مستوى 0.6850 دعماً قريب الأجل، بينما يشكل مستوى 0.7000 مقاومة نفسية مهمة.
ومن المرجح أن يستمر التباعد بين الأصلين طالما بقيت أسعار الفائدة الأسترالية أعلى من نظيرتها الأمريكية. أما إذا تقلص فارق العائد، سواء عبر رفع جديد للفائدة الأمريكية أو خفض للفائدة الأسترالية، فقد يعود الارتباط بين الذهب والدولار الأسترالي بقوة. وحتى ذلك الحين، يظل الدولار الأسترالي محمياً بدرع لا يمتلكه الذهب.
تحذير المخاطر: ينطوي تداول الأدوات المالية، وخاصة تلك التي تتضمن الرافعة المالية، على درجة عالية من المخاطر وقد لا يكون مناسباً لجميع المستثمرين. يمكن أن ترتفع قيمة استثماراتك أو تنخفض بشكل حاد، ومن الممكن أن تخسر كامل رأس المال المستثمر. لا تتداول بأموال لا يمكنك تحمل خسارتها. لا ينبغي اعتبار أي محتوى في هذا الموقع نصيحة استثمارية مقدمة من توركس أو أي من شركاتها التابعة أو مديريها أو مسؤوليها أو موظفيها. كما أن التداول ينطوي على العديد من المخاطر.
