النقاط الرئيسية
- شهد الذهب ومؤشر S&P 500 خلال النصف الثاني من عام 2025 موجة صعود متزامنة، وهي حالة نادرة دفعتها عوامل عدة، أبرزها التفاؤل بقطاع الذكاء الاصطناعي، واستمرار البنوك المركزية في شراء الذهب، والمخاوف من تراجع قيمة الدولار. وبين يوليو 2025 ويناير 2026، ارتفع الذهب بنحو 67%، في حين صعد مؤشر S&P 500 بحوالي 25%. ورغم اختلاف دوافع الاستثمار في كل منهما، فقد تحرك الأصلان في الاتجاه نفسه.
- إلا أن هذا الارتباط بدأ يتلاشى. فمنذ التصحيح المشترك الذي شهده السوق في مطلع عام 2026، عاد مؤشر S&P 500 إلى قممه قرب مستوى 7,500، بينما واصل الذهب تراجعه من 5,200 إلى 4,125. ويشير الرسم البياني إلى نقطة الانفصال التي بدأ عندها كل سوق يعكس رؤية مختلفة للبيئة الاقتصادية.
- يتمركز الذهب حالياً فوق منطقة طلب مهمة بين 3,900 و4,100، مع ظهور حالتي انفراج إيجابي (Bullish RSI Divergence) على مؤشر القوة النسبية (RSI)، في حين يتداول مؤشر S&P 500 عند المستويات نفسها التي سجلها في يناير. تاريخياً، غالباً ما تنتهي مثل هذه الفجوات بين الذهب والأسهم بتحركات قوية. فإما أن الأسهم تبالغ في التفاؤل، أو أن الذهب يبالغ في التشاؤم. ويبقى السؤال: أي السوقين سيغيّر اتجاهه أولاً؟
المرحلة الأولى: الصعود المتزامن (يوليو 2025 – يناير 2026)
بين يوليو 2025 ويناير 2026، شهد الذهب ومؤشر S&P 500 ظاهرة غير معتادة، إذ واصلا الارتفاع جنباً إلى جنب.
يوضح الجانب الأيسر من الرسم البياني صعود الخط الأزرق، الذي يمثل مؤشر S&P 500، من نحو 6,000 إلى 7,500، بينما ارتفع الذهب من حوالي 3,100 إلى ما يزيد على 5,200. وخلال هذه الفترة، سجل كلا الأصلين قمماً وقيعاناً صاعدة بشكل متزامن تقريباً على مدى ستة أشهر. كما أظهر الذهب سلسلة من إشارات اختراق الهيكل السعري الصاعد (Bullish Break of Structure)، حيث احترمت السوق كل موجة تصحيح وأكد الزخم كل قمة جديدة.
ويُعد هذا النوع من الارتفاع المتزامن نادراً تاريخياً، إذ غالباً ما تكون العلاقة بين الذهب والأسهم ضعيفة أو حتى عكسية. فالأسهم تعكس توقعات النمو والأرباح، بينما يُنظر إلى الذهب كملاذ آمن في أوقات التضخم وعدم اليقين النقدي. وعندما يرتفع الاثنان معاً، فإن ذلك يشير إلى وجود عامل مشترك يقود الأسواق.
في هذه الحالة، كان العامل الأبرز هو وفرة السيولة. فقد اشترت البنوك المركزية نحو 863 طناً من الذهب خلال عام 2025، وهو مستوى يقترب من أعلى المعدلات التاريخية، بينما تدفقت استثمارات ضخمة نحو أسهم الذكاء الاصطناعي. وهكذا، اشترى المستثمرون الأسهم بحثاً عن نمو الأرباح، واشتروا الذهب للتحوط من تراجع قيمة العملات، فاستمر الارتباط الإيجابي بينهما طالما لم تتعرض أي من هاتين الفرضيتين للاختبار.
المرحلة الثانية: التصحيح المشترك (فبراير – أبريل 2026)
بدأت أولى علامات الضعف في أواخر يناير 2026، عندما سجل الذهب قمة فوق 5,200 قبل أن ينعكس هبوطاً بشكل حاد، بينما تبعه مؤشر S&P 500 بعد فترة وجيزة، متراجعاً من 7,500 إلى نحو 6,400 بين فبراير وأبريل.
بدت هذه المرحلة طبيعية إلى حد كبير، إذ صحح الأصلان معاً، وهو ما يُتوقع عادةً بعد موجة صعود مدفوعة بالسيولة. فتراجع الذهب إلى نطاق 4,200 – 4,400، بينما فقد مؤشر S&P 500 نحو 15% من قممه.
وظل الارتباط الإيجابي قائماً، حيث تحرك السوقان في الاتجاه نفسه نتيجة عوامل متشابهة، من بينها تغير توقعات السياسة النقدية، وإشارات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى تبني نهج أكثر تشدداً، إلى جانب تراجع شهية المستثمرين للمخاطرة.
ولو أن كلا الأصلين تعافى بعد هذا التصحيح، لكانت القصة واضحة ومباشرة، إلا أن ما حدث لاحقاً كان مختلفاً تماماً.
المرحلة الثالثة: بداية التباعد (من أبريل 2026 حتى الآن)
منذ أبريل 2026، بدأ الذهب ومؤشر S&P 500 يسلكان مسارين مختلفين تماماً.
فقد استعاد مؤشر S&P 500 كامل خسائره، مرتفعاً من 6,400 إلى نحو 7,500، ليعود إلى مستوياته القياسية المسجلة في يناير. ويعكس ذلك قناعة الأسواق بأن المخاطر الاقتصادية لا تزال تحت السيطرة، مدعومة باستمرار نمو أرباح شركات الذكاء الاصطناعي، وبرامج إعادة شراء الأسهم، وتفسير تشدد الاحتياطي الفيدرالي على أنه دليل على قوة الاقتصاد.
في المقابل، واصل الذهب تراجعه بدلاً من التعافي، منخفضاً من 4,400 في أبريل إلى نحو 4,125 حالياً، عبر سلسلة من إشارات اختراق الهيكل السعري الهابط (Bearish Break of Structure)، مع ظهور تغير واضح في هيكل الاتجاه (Change of Character) قرب مستوى 4,100 خلال مايو، في إشارة إلى انتقال السيطرة من المشترين إلى البائعين. ويجري حالياً اختبار منطقة الطلب الواقعة بين 3,900 و4,100.
ويمثل هذا التباعد جوهر الصورة الحالية. فبعد نحو عام من الارتباط الإيجابي، عاد مؤشر S&P 500 إلى قممه، بينما لا يزال الذهب يتداول بأكثر من 20% دون أعلى مستوياته، في إشارة إلى أن السوقين يقدمان قراءتين مختلفتين تماماً للظروف الاقتصادية نفسها.
لماذا يُعد هذا التباعد مهماً؟
عندما يتباعد الذهب والأسهم بهذه الحدة، يكون أحد السوقين على الأرجح مخطئاً. والسؤال هو: أيّهما؟
يرى المتفائلون بالأسهم أن أداءها مدعوم بأساسيات قوية، إذ لا تزال أرباح الشركات، وخاصة شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، تحقق نمواً جيداً، كما أن سوق العمل تباطأت وتيرته دون أن يدخل في مرحلة ضعف حاد. إضافةً إلى ذلك، فإن تشدد الاحتياطي الفيدرالي في ظل اقتصاد قوي لا يُعد بالضرورة عاملاً سلبياً للأسهم، وهو ما يبرر عودة مؤشر S&P 500 إلى مستوى 7,500.
أما من منظور الذهب، فالصورة أكثر تعقيداً. فقد تباطأت وتيرة مشتريات البنوك المركزية بعد أن تجاوزت الأسعار مستوى 4,000، كما أن ارتفاع العوائد الحقيقية عزز جاذبية الأصول المدرة للفائدة مقارنة بالذهب، في حين أدى استمرار رفع أسعار الفائدة إلى تراجع أحد أهم العوامل الداعمة للمعدن الأصفر. وإذا افترضنا أن الاقتصاد لا يزال قوياً، فقد يكون تراجع الذهب منطقياً.
لكن هناك احتمالاً ثالثاً يستحق المتابعة، وهو أن تكون موجة صعود الأسهم مدفوعة بالتوقعات والروايات الاستثمارية أكثر من اعتمادها على الأساسيات الاقتصادية، بينما يعكس الذهب مخاطر لم تستوعبها أسواق الأسهم بعد.
وتشير حالتا الانفراج الإيجابي على مؤشر RSI إلى أن ضغوط البيع بدأت تتراجع رغم تسجيل الأسعار قيعاناً جديدة، في حين لا تزال مراكز المستثمرين المؤسسيين تميل إلى الشراء، مع صافي مراكز يبلغ 120,091 عقداً، وهو ما يعادل النسبة المئوية 56 من نطاق تداول الـ52 أسبوعاً الماضية، وهي مستويات لا تعكس حالة ذعر أو خروج جماعي من الذهب، بل إعادة تموضع للمراكز الاستثمارية.
وتاريخياً، غالباً ما انتهت الفجوات الكبيرة بين الذهب والأسهم بتحركات قوية في أحد الاتجاهين. ففي عام 2018 تجاهل مؤشر S&P 500 الإشارات التحذيرية الصادرة عن الذهب قبل أن يتراجع بنحو 20% خلال الربع الرابع. وفي عام 2020، ارتفع الأصلان معاً قبل الجائحة، ثم سبق الذهب الجميع باختراقه مستوى 2,000 دولار، في إشارة مبكرة إلى التحولات الكبيرة في السياسة النقدية التي تلت ذلك.
ولا يخبرنا هذا التباعد أي السوقين سيكون على صواب، لكنه يشير بوضوح إلى أن التوازن الحالي بين الذهب والأسهم قد لا يستمر طويلاً، وأن الأسواق قد تكون مقبلة على إعادة تسعير كبيرة خلال الفترة المقبلة.
قراءة الرسم البياني
Chart: Gold (XAUUSD) Daily with S&P 500 overlay (TradingView, SMC)
يُظهر الرسم البياني اليومي تداول الذهب عند مستوى 4,125، ليستقر فوق منطقة الطلب الرئيسية الواقعة بين 3,900 و4,100 (المنطقة المظللة باللون الأزرق). ولا يزال الاتجاه العام هابطاً منذ تسجيل اختراق الهيكل السعري (Break of Structure) بالقرب من القمة فوق 5,200 في مطلع عام 2026، حيث واصل السعر تكوين قمم وقيعان أدنى، مصحوبة بعدة إشارات تغير في هيكل الاتجاه (Change of Character) أثناء الهبوط.
وتُعد حالتا الانفراج الإيجابي (Bullish RSI Divergence) اللتان ظهرتا عند قاعي يونيو ويوليو أبرز الإشارات الفنية في هذا الرسم. فقد سجل السعر قيعاناً أدنى، في حين سجل مؤشر القوة النسبية (RSI) قيعاناً أعلى، وهو نمط يُعد تاريخياً مؤشراً على احتمال حدوث ارتداد سعري أو حتى انعكاس كامل للاتجاه. ويُذكر أن النمط نفسه ظهر في يوليو 2025 قبل انطلاق موجة صعود الذهب من مستوى 3,100.
أما المستويات الفنية الرئيسية فهي واضحة. إذ تمثل المنطقة بين 4,800 و5,000 مستوى المقاومة الذي ينبغي اختراقه لاستعادة الاتجاه الصاعد على المدى الطويل. وفي المقابل، تشكل منطقة الطلب بين 3,900 و4,100 قاعدة الدعم الرئيسية. وكسر مستوى 3,900 قد يمهد الطريق لتراجع نحو 3,600، وهو ما سيؤكد أن التباعد الحالي بين الذهب والأسهم كان مبرراً. أما إذا ارتد الذهب من منطقة الطلب ونجح في استعادة المنطقة بين 4,100 و4,200، فسيكون ذلك أول مؤشر على احتمال بدء تقليص الفجوة مع مؤشر S&P 500.
وبالنسبة لقراء VIP، لا تكمن أهمية هذا المشهد في توقع اتجاه السوق اليوم، بل في إدراك أن هذا المستوى من التباعد بين اثنين من أكثر الأصول متابعةً في الأسواق العالمية لا يستمر عادةً لفترة طويلة. وغالباً ما ينتهي بتحرك قوي يعيد التوازن بين السوقين، فيما تشير إشارات الانفراج الإيجابي على مؤشر RSI إلى أن بداية هذا التحرك قد تنطلق من جانب الذهب أولاً.
تحذير من المخاطر:
ينطوي تداول الأدوات المالية، ولا سيما تلك التي تستخدم الرافعة المالية، على مستوى عالٍ من المخاطر، وقد لا يكون مناسباً لجميع المستثمرين. وقد ترتفع أو تنخفض قيمة استثماراتك بشكل حاد، ومن الممكن أن تخسر كامل رأس المال المستثمر. لذا، لا تتداول بأموال لا يمكنك تحمل خسارتها.
ولا ينبغي اعتبار أي محتوى منشور على هذا الموقع توصية أو مشورة استثمارية مقدمة من توركس أو أي من شركاتها التابعة أو مديريها أو مسؤوليها أو موظفيها.
